لا احد من حول الجنرال.. الرئيس الامريكي يرفض استقبال مكالماته، البريطانيون يبلغونه ان الوقت حان لرحيله، السعوديون والامريكيون والصينيون يدعون لرحيل 'انساني' له.
الجيش اعلن انه لن يدعم قائده السابق، واصدقاء الرئيس ومقربوه هجروه.
اما اعداء الامس فقد تحلقوا حوله في ما يشبه الانتقام الاخير.
هذه هي معضلة الجنرال برويز مشرف الذي يحكم باكستان منذ عام 1999 بعد انقلاب ابيض ضد خصمه، العائد اليوم وبحس انتقامي، نواز شريف.
كل هذا يفسر دوامة من الشائعات التي عاشتها باكستان في الايام القليلة الماضية رافقتها مظاهرات تطالب برحيل الجنرال مشرف.
ومن المقرر ان تبدأ اليوم معركة محاكمته في البرلمان لعزله، بعد ان صوتت الاحزاب الحاكمة لصالح عزله. وقد منح مشرف مهلة ايام للرحيل او مواجهة اجراءات العزل المهينة.
ولوحظ في معركة الجنرال مع الاحزاب التي اجبر على الموافقة على دخولها الانتخابات وعودة قادتها من المنفى، انه يقف الآن وحيدا بدون الجيش وبدون الدعم الامريكي له.
فقد اعلن الجيش انه لن يتدخل وينقذ مستقبل مشرف السياسي وسط انباء عن ان قائد الجيش، اشفق كياني، اكد لمشرف انه في حالة ما وافق على ترك السلطة 'بهدوء'، فلن توجه له اي اتهامات، فيما ارسلت السعودية مدير مخابراتها، الامير مقرن بن عبد العزيز، لكي يناقش مخرجا مشرفا لمشرف.
ولكن مصادر مقربة من الرئيس اكدت انه في روح قتالية عالية وانه سيواجه الاتهامات، بينما قالت انباء أخرى مقربة منه ان الرئيس قد يتنحى حالة الغيت الاتهامات وسمح له بالبقاء في باكستان.
وكانت بريطانيا وامريكا والسعودية قد سعت للتوصل لصفقة تسمح بخروج مشرف بطريقة 'انسانية'. ونقل عن مصادر في اسلام اباد ان سير مارك ليل غرانت، المفوض البريطاني (السفير) السابق في باكستان قد سلم مشرف رسالة من الحكومة البريطانية تقول ان الوقت 'قد حان للرحيل'.
فيما اجتمع أخرون مع نواز شريف، عدو مشرف اللدود، وتباحثوا معه في ضرورة القبول بخروج آمن لمشرف. وذكرت مصادر محلية ان مشرف قاوم الضغوط السعودية والبريطانية والامريكية، ولكن مخاوف الامريكيين وقادة الجيش هي انه لو عزل مشرف عبر محاكمة في البرلمان فانه سيتم الكشف عن دوره في الحرب على الارهاب.
وقد جهزت الحكومة الباكستانية لائحة اتهامات فيها ان الرئيس الباكستاني سمح للقوات الامريكية بخرق السيادة الباكستانية لضرب وملاحقة مشتبه بهم في محاربة الارهاب.
وقالت مصادر ان الامريكيين لا يرغبون في نشر الغسيل القذر امام الرأي العام. ويعتقد مراقبون ان الخلافات بين اعداء الرئيس الباكستاني آصف زرداري ارمل رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو، ونواز شريف، حول مصير مشرف يحرف الانظار عن المعركة الحقيقية للحرب على الارهاب.
ونقلت مجلة 'تايم' عن دبلوماسي في اسلام آباد ان البلاد تبدو بدون حكومة ولا احد يتخذ قرارات. واشير الى ان الرئيس الامريكي جورج بوش وكبار مساعديه رفضوا الرد على مكالمات مشرف الهاتفية الاسبوعية في اشارة الى ان الرئيس الباكستاني لم يعد يحظى بدعمهم.
وكان الرئيس الامريكي بوش قد ناقش مصير مشرف في اجتماعه مع رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني، في قمة شرم الشيخ بمصر في مايو الماضي وطلب بوش حينها وقتا للتفكير.
وفي اجتماعه الاخير مع جيلاني اثناء زيارته لواشنطن منح بوش جيلاني موافقته على عزل مشرف، الا انه اشترط ان يكون خروج مشرف 'انسانيا'. ويرى مراقبون ان العقبة امام التوصل لصفقة هي شعور مشرف بالاعتزاز بنفسه وحس نواز شريف بان ساعة الانتقام قد حانت. وحسب مقربين منه فهو يريد ان يجعل من مشرف ومحاكمته درسا لكل الطغاة.
وفي لعبة المواجهة معه، يرغب مشرف بتوسيع اتهامات الفساد ضد زرداري وغيره من المسؤولين السياسيين. وكان الامير مقرن بن عبد العزيز قد وصل الى اسلام اباد للتدخل نيابة عن الرئيس الباكستاني، وناشد الحكومة الباكستانية الموافقة على صفقة تسمح لمشرف بان يتجنب المحاكمة في البرلمان.
ونقلت مصادر صحافية عن مسؤولين قولهم ان التدخل السعودي والصيني والامريكي مهم، خاصة ان السعودية تدعم باكستان اقتصاديا. واكدت مصادر حكومية باكستانية زيارة الامير مقرن بن عبد العزيز وقالت ان هدف الزيارة هو التوصل لمخرج مشرف للأزمة. واشارت تقارير الى ان معظم حلفاء مشرف السياسيين تخلوا عنه.
وتتضارب الانباء حول موقفه حيث يقول مقربون انه ربما كان مستعدا للاستقالة قبل توجيه الاتهامات له. اما الآن وبعد صدور لائحة اتهامات ضده، فانه مستعد للمواجهة.
ويقول احد حلفائه السياسيين ان مشرف مثل القطة بتسعة ارواح استخدم منها حتى الآن ثمانية، وان نجا من هذه الازمة فسيفاجئ كل السياسيين خاصة انه تعرض لاكثر من 14 محاولة اغتيال.
وكان الجيش قد حدد موقفه معلنا انه لن يساعد مشرف لاتخاذ اجراءات دستورية في يده من اجل حل البرلمان، وهي الخطوة التي كانت تصل لحد الانقلاب.
واشارت صحف امريكية الى ان الجيش قرر اتخاذ موقف محايد بعيد عن السياسة. وقالت صحيفة 'لوس انجليس تايمز' ان قادة الجيش 'لهم مصلحة واحدة سيدافعون عنها وهي انهم لا يريدون لقائد جيشهم ان يواجه اهانة ومحاكمة، بل السجن او الاعدام (..) محاكمة مشرف تعني وضع كل الجيش في قفص الاتهام'.
لكن ما هو مثير في الازمة الباكستانية، ان البلاد تقف على اعتاب مرحلة جديدة، فأي من اللاعبين الثلاثة الآن، مشرف، زرداري، او شريف سيحدد معالم المرحلة القادمة في باكستان. وما يثير في الازمة ان الكثير من التغيرات حدثت في باكستان في العقد الاخير، بفضل مشرف مثل دعم حرية الاعلام والاقتصاد، لكن عمليات اللبرلة هذه ستقود الى نزوله من عرش السلطة. بالاضافة للمحامين والقضاة الذين كانوا عاملا مهما في اثارة المشاكل لمشرف.
في النهاية وفي حالة خروج مشرف من السلطة فان الرابح الوحيد في هذه المعركة سيكون نواز شريف، نفس الرجل الذي انقلب عليه مشرف، ونفي للسعودية، واتهم بالعقم والعجز والفساد المالي، وهو نفس الرجل الذي يدعو لمعاقبة مشرف اقسى العقاب، ويصر على انه ليس مدفوعا بالانتقام.
والمثير للسخرية ان الجنرال الذي واجه القضاة والمحامين في العام الماضي احضر اعداءه او اجبر على حضورهم ضمن اللعبة الديمقراطية التي انقلبت عليه وتركته وحيدا.