حصة جغرافيا
لم تستطع أن تخرج من نـوبة الشرود المتواصل التي تعتريها منذ أن استيقظت هذا الصباح حتى إنها ألقت بالتاريخ و العنوان على السبورة دون أن تشعر .
- حقول للميس
- متقدرش
تلتفت لهما لكن نظرتها تتوه بين الأجسـاد المتلاصقة في لون واحد أمامها.... تتذكر أنها مسئولة عن ثمنين حـلما.... ثمانــين حياة آتية فتعــود لدفترها المفتوح على خريطة مصر قبل أن تعـــيد رسمها على السبورة اللون الأزرق لنهر النيل..... و الأصفر صحارى .... تواصل الرسم بأصـابعها المغلفة بنفس لون الطابشور لتشكل لهم وطنا صالحا للاستعمال .
- ميس .... ميس .
- أيوه..... مصر فيها سنة و عشرين محافظة يا ولاد
ثم أشارت بطرف أصبعها ... حيث انحناءة قنا
تـــفرج عن ابتســامة من بين قيد الكآبة التي ترافقها منذ أن استيقظت... فهناك رأته بهيئته المحببة للمرة الأولى يتـابعها بحــلمه أينما ذهبت... و في كل مرة كانت تصده و لكن ما أن يبـتعد حتى تتمنى لو اقترب منها إلى درجة ارتفاع الحرارة.. لكنهم رأوه ذات مرة معها ....فجعلوه يواصل ابتعاده حتى أعماق الذاكرة.
صاروخ ورقى يمر بجوارها ... تلتفت لهم في حدة تخترق الخوف الذي تتناقله عيون التلاميذ المرتعدة من العقاب و تكاد توشى بالجاني .... لكنها سرعان ما تزيل عنهم هذا الحصار
- خليكم معايا .... مصر دولة عظيمة يا ولاد .
التلاميذ يزدادون التصاقا و هي تأخذهم من البحر إلى الصحراء من الشبع إلى الجوع في حركة يد.
- ميس خالد أخد قلمي .
- كداب يا ميس
...... هنا بني سويف ..... و الجيزة.... و القاهرة
- هل هي الآن معه ... ؟
ففي كل مرة تأتى ابنتها المراهقة من القاهرة حيث تدرس في جامعتها تسمعها قصة جديدة عن الشاب الذي اختارته ليصبح نصفها الثاني و في كل مرة تذكرها بأنه شاب من عائلة و ميسور الحال لتبدأ بعدها عملية تخدير بالحياة التي سيوفرها لها عندما ترتبط به ... رغم ذلك في كل مرة تحاول أن تعيدها للواقع بنفس الكلمات.
- الأهم إنك تخلى بالك من نفسك.
لكن ابنتها سرعان ما تحتويها بين حضن و قبلة تحـاول بهما أن توقف سيل القلق المنساب منها... بجانب وعد بأنها لن تفرط بل إنها سوف تعوضها عن كل ما عانته في حياتها من أجلها ...تطلق زفيرا قويا تطارد به هاجسا قويا يجعلها تتخيلها الآن بين أحضانه و تخضع لصهوة شبابه الجامح حيث لا رقيب و لا حسيب
- يعنى مكنتش عرفة تجيب الدرجتين الفرق عشان تبقى معايا هنا في إسكندرية ..؟؟
تتذكر الخريطة فتعود إليها بسرعة لتلقى بنفسها إلى أعلى الخريطة.. حيث رأت البحر المــالح لأول مرة في حياتها بعد زواج فرض عليها لدرجة إنها حتى أصبحت تؤمن بأنها ترافق في فراشها كل يوم شبحا
- فاضل قد إيه من الحصة ..؟
- عشر دقايق
- ياه .... مادة مملة.
يستولى عليها الغيظ فجأة و كأنها وجدت مخرجا لبركانها أخيرا
- أخرس يابن .......................
لقد كانت أول فتاه في العائلة تدخل كلية الآداب... وقتها ظنت إنها سـوف تحرك الجغـــرافيا و تثبــت التاريخ لكنها أصبحت الآن مجرد مدرسة لمادة مملة
صوت الجرس المتكهرب معلنا انتهاء الحصة ينقذها من موجات اليأس التي سببتها لها تلك للكلـمات الطـــائشة ... تلملم أشيائها... دفتر التحضير.. دليل المعلم و بقايا الطابشور فــي عجـالة غير مهتمة بهــتاف التلاميذ الفرحين بانتهاء الحصة رغم إنها مازالت تقف بينهم وتخليهم عن منظرهم الملتصق أمامها و كأنهم تحرروا فجأة من صخرة بلال... قبل أن تخــرج تعاود النظـر من جديد إلى الخريطة.... صوت هرج الفصل يتصاعد ....
تقترب منها
الهرج يتصاعد أكثر
فتقترب أكثر
صوت الهرج يزداد
تتشبث بالأرض
صوت الهرج يحتويها
تقترب أكثر و أكثر و أكثر .... من الخريطة
إسلام البارون
|