" رحيل جديد "
أمسكت بملابسه رغما عنه .. لم يشعر بها و هو يتحرك في طريقــه رغم إنها ازدادت تمسكا به .. يدير مقبض النافذة لتنهال أمواج الضـوء المـتزاحمة بقسوة تكشف طلاء الحجرة المـــتآكل ... لكــن مع حركته الأولــى تتركه لتهــوى إلى الأرض مندفعة .. يلتفت إليها جزعا ليراها تتناثر عــلى الأرض هنا و هناك .... يقبض على أنفاسه في اللحظة الأخيرة ليمنع فرارها من جسده الضئيل بينما يذوب إليها حتى ركبتيه المرتعشتين... ينحني عليها في بكاء مكتوم يحاول أن يلملمها بسرعة قبل أن يأتي هو و معه فرضية العقاب اللازم ... يسمع صوت شبشبه البلاستيكي الثقـــيل يزحف تحت جسمه الثقيل في فضاء الصالة فتزداد رعشته الخائفة ... يده تتمدد في كل مكان تحاول أن يجمع أشلائها دون أن يهتم بما ينفذ منها تحت جلد كفيه الحديثــتين بالحـياة و تهدر دمه البكر عليها ... يبحث عنه في التفافة سرــيعة ليــراه يقــف عند حدود نظرته الزائغة يمسح وجهه من ماء الوضوء الممزوج بتمتمات يرددها مع كل مره .
- الحمد لله إنه لا يراني .
يقلبها عـلى وجهها .. يصبح أكثر شحوبا منها وهو يرى ملامحها قد تتباعدت .... يرتعد كلما تذكر العقاب .
- قد يضرب .. و قد يطرد .. و قد ...............
إن الـــمساس بها يعتبر عنده جناية ..... فهي الإله الوحيد في معبده بل إنها التي أعادت مجد محراب مريم للحياة كما يعتقد .
- ماذا سأقول له ... ؟
حبات العــرق تنبثق على الجبهة مع حرارة السـؤال ...يسرع في لملمة أشلائها .... يعود إليه بنظرته الزائغة ليلمح ظله الممتلئ وراء باب الحجرة... يركع .... يسجد .
- كيف أعيديها له كما كانت ... ؟
ينحني بجذعه نحو جزء قد فر منها إلى أسفل السرير لكن مع عودته للضوء يراه يلتفت يمينه مسلما ثم يكتشف الحقيقة الكاملة في يساره .... يهرس شبشبه البلاستيكي في طريقه إليه تسبقه موجات غضب تدفع إلى ذهنه كل سيناريوهات العقاب .
الصفع ....
الضرب ....
الطرد ......
يتراجع أمامه بخوفه إلى زاوية الغرفة تحيــطه أثــار جريمته و إن كان يتمنى لو أن يصاغ في لحظته لونا باهتا على الجدران .
- صدقيني لم أقصد ..... لقد هوت ........
كفه العريض ينسحب من الفراغ لتختزل مساحة الضوء من أمام عينيه .. يـعصر جفونه بمزيح من حلم مــرور اللــحظة.
- لماذا لا أشعر بأي ألم ... ؟
يرفرف بأهدابه في بطء قبل اتساع الصورة ليراه قد تلاشى من أمامه لكنه تشكل بجواره في وضع القرفصاء يتحسس بأصابعه الكبيرة الخشنة الفراغات التي أضحت تفصل بين ملامح وجهها على الرغــم من إنها مازالت تبتسم له و هو يحتوى خصرها بذراعه مشدود القوام بينما تنظر له مستعذبة قوامته ..... لقد كانت هي الأطول لذا أجلسها المصور على كرسي وجعله واقفا .
- آه ...... خمسة و عشرون عاما وقفت بجانبها .
لكنها قررت في الشتاء الأخير أن تشعره بحرارتها قبل أن تتحول إلى شــيء بارد و تتوارى وراء بوابة عالم لا يمكن له العبور له بالاختيار .
- هل أصبحت وحيدة هناك .. كما جعلته هنا ؟
شيخ مــسجد المنطقة يخبره دائما بعد كل صلاة بأن الله سوف يجمعهما معا من جديد عندما يصبح الأمر كن فيكون
- لماذا لا يصدقه ...... ؟
فهو مازال يشعر بأنفـــاسها مـــعه .. حركتها على السرير بجسدها الممتلئ مازالت تؤرق نومه ... رغم إنهم يقولون إنها رحلت ... بل أن ابنه أيضا يردد ما يقوله أهل الشارع حتى اتهمه ذات مرة بالجـحود وبأنه يشيع الإشاعات على والدته.
- أنا آسف يا أبى لقد أوقعت الصورة دون قصد .
ينتبه لابنه المنكمش على نفسه فيمر عليه في حنان يفصل ركبتيه المضغوطتين في قفصه الصدري بعد أن أخرجه بلمسته من جب " يوسف " ثم يلحقه بطرف جلبابه يمسك بدمائه المتساقطة من بين خطوط يديه ... يضلله صمت ذكرى " هناء " وهى تقبل كفيه و تسير يهما على رقبتها.... نهدها .... خـصرها و هي تتعاطى معه لحظات الحياة... لكنهم يؤكدون له إنها رحلت إلى الأبد .
- ماذا ستفعل بالصورة يا أبى .... ؟
سؤال ابنه المنتظر إجابة يعيده لواقع الزجاج المتناثر على الأرضية و الصورة التي شرع يلفها في ورقة جرائد قريبة في إحكام واضح .
- خذها لعم فرج ليضع لها زجاجا جديدا .
ينهض بسرعة وهى تنغـرس تحت إبطه ... يتجه بها إلى البـاب فـي خطوات عادت لتوها لدفء الحياة .... بينما يجلس هو بمفرده بين جدران الحجرة يتابع رحيلها .
إسلام البارون
|