( قصة قصيرة بعنوان ( صورة
تروح هنا و هناك بلا توقف ، انها لا تهدأ ، تغسل الملابس ثم تنشرها و تكنس الخيام لمن يطلب ، عمل دائب متواصل بلا تواني ، هذه الفتاة بأسمالها البالية ، ببطنها المكورة ، بوجهها الشاحب الممصوص ، بلونها الذي يشبه الأسفلت حيث يمتزج السواد بلون التراب و الطين ، بأرجلها الحافية ، بيديها المعروقتين ، بشعرها البالي المتساقط ، بنظره عينيها الساهمة ، بفمها المرسوم في شبة ابتسامة تقول ( هذا هو قدري ) ترنو إلي بين الحين و الاخر ، ترنو بوجهها الذي لا يحمل أي تعبير غير تعبير الاستسلام للقدر ، أم هو استسلام لأفعال البشر ؟ تستمر في الحركة هنا و هناك ، تطء اقدامها الحافية الرمال الملتهبة في اصرار ، كانت كأنها تتحدى الاقدار بالاستسلام لها ، لا تشعر بحملها و كأنه غير موجود بالمرة , قفز الى ذهني سؤال ( هل هذه الفتاة متزوجة ؟ أم أن حملها هذا من ......) و بترت باقي السؤال من ذهني بالرغم من احتمال حدوثه أليست مستسلمة تماما للقدر أو أفعال البشر ؟ سرحت بنظري فيمن حولي ...هؤلاء الرجال من أبناء جنسها الجالسون في ظل الأشجار المعمرة العملاقة ...هل منهم من هو ابوها؟ اخوها ؟ قفزت المفارقة امام عيني كالبهلوان فابتسمت في سخرية مريرة ... فتاة تكدح تحت سياط الشمس المحرقة و فوق جمر الأرض الملتهب و رجال نائمون في ظلال الأشجار ...يلعبون الكوتشينة في خشوع و كأنهم يتعبدون .... يتحاورون ... يتسامرون .... لا أحد يهتم بها و كأنها لا شئ ... يأتي ضابط من ابناء جنسها فيقذف لها بملابسه يأمرها بأن تغسلها ... ها هو جندي من أحد ابناء حام بن نوح ينظر اليها باحتقار .... تتناول الملابس تضعها في دلو ... تسير مطرقة ساهمة حيث حوض الماء ... ترنو مرة أخرى إلي بطرف عينيها ... أتبعها بعيني ... انها تتحرك حركة آلية ... انها لا تتحرك من ذاتها و لكن يحركها شئ ما ... أهو القدر من يحركها أم ... هي أفعال البشر ؟ تغسل الملابس بنفس الآلية ... تنشرها ... ينقدها صاحب الملابس ورقة مالية ... بنفس الحركة الآلية تضع الورقة المالية بين ثنايا صدرها ...أما وجهها فلا يعبر عن شئ إلا الاستسلام ... قفز السؤال الى ذهني بصيغة أخرى ( هل ما في بطنها هو نتيجة لحركة آلية ما من نوع آخر من أجل ورقة مالية ؟ أم من أجل بضعة أوراق ؟ ) أما لحركتها هذه من نهاية ؟
تذهب الى أحد ابناء حام بن نوح ... تمد له يدها المعروقة ...يقذفها بنظرة نارية ... يصرخ ... يصيح في وجهها ... يحدثها بلغة ساكني الغابات و أعالي الأشجار ... يتموج وجهه تموجات قبيحة و هو يصيح فيها ... و لكنها لا تهتز ... جمدت كالتمثال أمامه و هي مادة يدها إليه لا تطويها ... أما ملامحها فلا شئ ... في النهاية يمد يده في جيبه يخرج ورقة مالية ... يقذفها على الأرض ... تنحني ... تلتقط الورقة ... تنظر لي هذه المرة مدة طويلة و تتحدث ملامحها لأول مرة فيما يشبة الصراخ ... صراخ ذبيح يائس من النجاة ... تسألني بعينيها ( أرأيت ؟ )
تتحرك مرة أخرى حيث ورقة مالية أخرى ... تمر بأبناء وطنها و هم خاشعون أمام الكوتشينة تحت ظل الشجرة العتيقة ... شجرة دارفور العملاقة النابعة من قلب معسكر مراقبي الاتحاد الافريقي... تمر بهم كأنها لا شئ ... أخذت أتأمل الرجال الدارفوريين و هم منهمكون في اللعب و كأن مصيرهم متعلق بالكوتشينة .... هل يكون مصير تلك الفتاة الدارفورية متعلق بهم ؟ كيف ؟
انتبهت إلى صوت هامس يحدثني بلهجة أهل دارفور التي اعتدتها ... تحولت إلى مصدر الصوت فوجدتها هي ... رمقتها بنظرة متسائلة ... سألتني بلهجة متوسلة :
ألا تريدني ان أغسل ملابسك يا جنابو ؟ -
تفحصتها مليا ثم هززت رأسي بـ " لا " ... استدارت ... ثم راحت تبحث عن ورقة مالية من غيري