مع الارتفاع الكبير وغير المسبوق لاسعار النفط تجدد الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة وخاصة المتجددة بما فيها الشمسية ذلك لان احد اهم العوامل التي كانت تبقيهاخارج مركز الاهتمام هو ان كلفتها عالية مما يجعلها غير مجدية اقتصاديا.
بالطبع هناك اسباب وعوامل اخرى كثيرة وهامة حالت، وربما ستظل تحول لفترة طويلة، دون اللجوء على نطاق واسع لضوء الشمس كمصدر للطاقة.غير ان السقوط التدريجي للعامل المتعلق بالجدوى الاقتصادية يضع الطاقة الشمسية في مركز الاهتمام مجددا خاصة وان هناك اختراقات علمية وتكنولوجية تتحقق باستمرار وتتغلب على بعض العقبات العملية امام اللجوء للطاقة الشمسية على نطاق واسع وفي مجالات استخدام متعددة.
في المقالة التالية التي وضعها خبراء في مؤسسة مكنزي الاستشارية نظرة عامة على واقع وآفاق استخدام الطاقة الشمسية: عهد جديد ان عهدا جديدا للطاقة الشمسية يقترب.
فبعد زمن طويل من التشكيك والتشكك اعتبرت فيه الطاقة الشمسية غير اقتصادية، تتحسن التقنيات وتزداد جاذبية هذا المصدر مع كل ارتفاع جديد لاسعار مصادر الطاقة التقليدية الاخرى. فخلال ما بين ثلاث وسبع سنوات فان كلفة الطاقة الكهربائية المولدة من ضوء الشمس ستصبح في بعض الاسواق، مثل ولاية كاليفورنيا وايطالية، مساوية لكلفة الكهرباء المولدة من حرق الوقود الاحفوري (فحم وغاز ونفط) او من مصادر الطاقة البديلة الاخرى. وبحلول عام 2020 ستصبح قدرة الطاقة الشمسية المستخدمة لتوليد الكهرباء مساوية لما بين 20 و40 ضعف القدرة المستخدمة حاليا.
غير انه يجب القول مع ذلك ان قطاع الطاقة الشمسية ما زال في مرحلة الطفولة. وحتى لو تحققت كل توقعات النمو فان الطاقة الشمسية ستشكل فقط ما بين ثلاثة وستة بالمئة من القدرة العالمية لتوليد الكهرباء او ما بين 1.5 وثلاثة بالمئة من مجمل انتاج الكهرباء بحلول عام 2020.
واكثر من ذلك فان تواجه التحديات المألوفة لكل قطاع ناشئ. فهناك تقنيات عديدة تتنافس على لقب 'الاقل كلفة'، وليس واضحا ايهما سيفوز. كما ان النمو السريع للاهتمام بالطاقة الشمسية خلق حالات من نقص التجهيزات والمواد ورفع هوامش الربح للاعبين الاكثر طليعية والمبادرين.
وبفضل تدفقات غير مسبوقة للاموال على هذا القطاع (2 و3 مليارات دولار العام الماضي) يدخل عدد متزايد من المنافسين ذوي الابداعات الى القطاع مما يزيد من احتمالات حدوث عرض فائض من المنتجات (الادوات) وهبوط اسعارها وارباحها. هذه الاموال تأتي اساسا من صناديق الاستثمار الخاص ومن صناديق رأس المال المخاطر.
ومع تزايد حرارة المنافسة فان على الشركات المنتجة للمعدات المستعملة في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية ان تعمل على خفض كلفتها عن طريق تحسين عمليات انتاج الخلايا الشمسية.
كما ان عليها زيادة الاستثمار في الابحاث والتطوير، وكذلك عليها نقل عملياتها الى المواد الأولية اللازمة دون ان يربطوا انفسهم بالتقنيات الخطأ او الشركاء الخطأ.
من جهة ثانية فان التحديات التي يطرحها تطور وانتشار الطاقة الشمسية تفرض نفسها على الشركات التي توفر للمستهلكين مصادر الطاقة كالكهرباء والغاز.
فاذا تأخرت هذه الشركات عن دخول ميدان الطاقة الشمسية وتخصيص استثمارات كبيرة لها في انتظار انقشاع الغبار واتضاح الصورة، فانها تخاطر بفقدان بعض من زبائنها لحساب لاعبين جدد آخرين مثل الشركات الصغيرة التي تركب فوق سطوح البيوت لوحات وخلايا التقاط شمسية تتيح لاصحاب هذه البيوت الحصول اما على كهرباء او مياه ساخنة بطاقة الشمس وليس بطاقة الغاز.
وهذا يعني ان على شركات الكهرباء والغاز ان تدخل ميدان الطاقة الشمسية في بعض مناطق مختارة بالبداية وتخصص استثمارات جدية في هذا المجال.
كما ان على الحكومات ان توفر حوافز وتسهيلات للشركات العاملة على تطوير تقنيات فعالة لاستخدام الطاقة الشمسية، مع الحرص بالوقت نفسه على عدم جعل هذه الشركات معتمدة على الدعم الحكومي او التسهيلات الحكومية لان ذلك سيحول دون اكتسابها قدرة تنافسية.
وحتى في اكثر المناطق ملاءمة لاستخدام الطاقة الشمسية (المناطق المشمسة) فان هذه الطاقة لا تزال بعيدة بسنوات عن تحقيق .المساواة على الشبكة' اي الوصول الى وضع تكون فيه اسعارها مساوية لاسعار الكهرباء المولدة بطرق اخرى والمنقولة على الشبكة.
وفي هذا الخصوص ستظل هناك فوارق مهمة في طول الفترات التي ستقضيها الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية وهي اعلى كلفة من تلك المولدة بالطرق التقليدية. ففي بلدان كالهند والصين حيث الحاجة الى زيادة طاقة التوليد اكبر بكثير مما هو الحال في البلدان عالية التطور ستكون الفترات الزمنية اطول خاصة وان هذين البلدين يستعملان الفحم كمصدر طاقة لتوليد الكهرباء، وهو متوافر ورخيص هناك.
ولادة القطاع يتضمن قطاع الطاقة الشمسية عددا متنوعا من اللاعبين، بمن فيهم مصنعو رقائق السليكون والالواح الشمسية والمكونات الاخرى المستعملة في توليد الطاقة من ضوء الشمس، اضافة الى الذين يقومون بتركيب وحدات صغيرة لالتقاط ضوء الشمس وتحويله الى طاقة فوق سطوح المنازل. وبالطبع هناك تلك الاجزاء من شركات توليد الكهرباء وغيرها التي تقوم بتركيب نظم ضخمة لالتقاط وتحويل الطاقة الشمسية في الصحارى. وهناك ايضا الشركات الطليعية الصغيرة التي تقوم بتطوير تقنيات منخفضة الكلفة لتصنيع رقائق الالتقاط وتحويل الطاقة الشمسية.
وقد لعبت المعونات الحكومية (الدعم المالي الحكومي المقدم للشركات) دورا هاما في نشوء وتطور قطاع الطاقة الشمسية. ففي الولايات المتحدة مثلا يتلقى منتجو الطاقات المتجددة تسهيلات ضريبية.
وفي المانيا تلزم شركات توزيع الكهرباء بان تدفع اسعارا اعلى للشركات التي تزودها بكهرباء مولدة من مصادر طاقة بديلة متجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة المياه). ولولا هذه التسهيلات لما كان لقطاع الطاقة الشمسية ان يتطور بسبب الكلفة العالية لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية مقارنة بتلك المولدة من مصادر الوقود الاحفوري (فحم ونفط وغاز).
غير ان اقتصاديات هذا القطاع تتغير. فخلال العقدين الماضيين هبطت كلفة تصنيع وتركيب نظم تحويل ضوء الشمس الى طاقة كهربائية بنسبة عشرين بالمئة مع كل مضاعفة لقدرة النظم التي يتم انشاؤها. في المقابل كانت كلفة توليد الكهرباء بمصادر اخرى تتزايد نتيجة زيادة اسعار الغاز الطبيعي في المناطق التي تعتمد على الغاز بتوليد الكهرباء مثل ولاية كاليفورنيا الامريكية وشمال شرق الولايات المتحدة وولاية تكساس، اضافة الى ايطاليا واسبانيا واليابان.
نتيجة لذلك اخذت الطاقة الشمسية تصبح اكثر تنافسية في بعض المناطق. فولاية كاليفورنيا مثلا تجمع بين توافر اجواء مشمسة خلال وقت طويل من العام واسعار كهرباء اعلى من بقية الولايات (36 سنتا للكيلو واط). غير انه بفضل الدعم الذي تقدمه حكومة الولاية للكهرباء المستخدمة من قبل المواطنين الافراد (وليس الشركات والاعمال) ينخفض سعر الكيلوواط/ساعة الى 27 سنتا. ومع التشريعات البيئية الهادفة الى تقليص انبعاثات الغازات الكربونية سيرتفع سعر الكهرباء المولدة من الغاز الامر الذي يزيد القدرة التنافسية للطاقة الشمسية حتى مع تقليص او انتهاء الدعم الحكومي.
وخلال السنوات الثلاث الى السبع المقبلة فان السعر غير المدعوم الذي سيدفعه المستهلك للكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية باجزاء من امريكا واسبانيا واليابان سيساوي سعر الكهرباء المولدة من مصادر اخرى. هذا الوضع سيطلق 'وفورات الحجم الكبير' حيث سيؤدي التوسع في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية الى خفض كلفة الانتاج وبالتالي خفض السعر الذي سيدفعه المستهلك.
ومن المتوقع انه لغاية عام 2020 ستنمو قدرة توليد الطاقة الشمسية عالميا بنسبة 30 ـ 35 بالمئة سنويا مما سيرفعها من 10 غيغا واط حاليا الى حوالي 200 ـ 400 غيغا واط، وهو ما يحتاج الى استثمار اكثر من 500 مليار دولار على مستوى العالم. وخلال نفس الفترة لغاية 2020 فان الطاقة الشمسية ستوفر ما بين 10 و20 بالمئة من الاحتياجات السنوية الجديدة للطاقة الكهربائية.
التقنيات السائدة هذه التقديرات بشأن النمو المتوقع للطاقة المستخدمة يعتمد على استمرار التطور والتحسن في تصميم الخلايا الشمسية والمواد المستخدمة، وحاليا هناك ثلاث تكنولوجيات تتنافس على قصب السبق في توفير الكلفة. هذه التكنولوجيات تعتمد اما على رقائق السليكون او الافلام الضوئية الكهربائية او تركيز اشعة الشمس لغرض الحرارة وتسخين الماء او غيره من المواد. وكل من هذه التكنولوجيات لها افضلياتها في استخدامات محددة. غير ان ايا منها لها قصب السبق النهائي.
الا ان هذا بالطبع لا ينفي امكانية حدوث اختراق علمي والتوصل الى تكنولوجيا اكثر فعالية واقل كلفة. والشركات التي تستعمل ايا من هذه التكنولوجيات الثلاث القائمة على توليد الكهرباء مباشرة من ضوء الشمس تسعى لخفض كلفة توليد الكهرباء من خلال جعل انظمتها اكثر كفاءة.
والمقصود بدرجة اعلى من الكفاءة تقليص مساحات الالواح التي تلتقط اشعة الشمس وخفض كمية المواد الموجودة فيها مما يعني توفيرا باثمانها وتوفيرا في كلفة نقلها لانها اخف، وايضا توفيرا في كلفة ووقت التركيب. وعموما تعتبر تكنولوجيا تركيز ضوء الشمس (لتوليد حرارة تستخدم لاحقا لتسخين الماء وتحويله الى بخار يستعمل في ادارة توربينات توليد الكهرباء) هي الاقل كلفة بين التكنولوجيات الثلاث. الا ان لها نواقص كثيرة اهمها حتياجها الى مواد كثيرة (انابيب ومرايا وسطوح عاكسة ومواد عازلة للحفاظ على الحرارة.. الخ).
كما انها تحتاج الى مناطق تكون فيها الشمس مشرقة لفترات طويلة، وايضا الى مساحات واسعة من الارض تنتشر عليها منشآتها. وهذه التكنولوجيا الارخص بين الثلاث هي المفضلة في الاتحاد الاوروبي وخاصة في دوله الجنوبية التي تنعم بايام طويلة من الطقس المشمس خلال العام.
كما انها مفضلة في دولة الامارات العربية المتحدة التي ستبني اول مدينة بالعالم تستعمل فقط الطاقات المتجددة التي لا تسبب انبعاث غازات كربونية، لكنها لن تكون الوحيدة في هذه المدينة التي بدأ العمل في انشائها مؤخرا.
في المقابل فان تكنولوجيا رقائق السليكون يمكن استخدامها مباشرة فوق سطوح المنازل بتركيب لوحات التقاط غير واسعة المساحة وبالطبع يمكن استخدام نفس التكنولوجيا على نطاق صناعي لتزويد شبكات الكهرباء.
وهذه التكنولوجيا تستخدم في 90' من منشآت الطاقة الشمسية المستخدمة على نطاق تجاري. كما انها الانسب لتوليد الطاقة اللازمة لتسيير المركبات، وبالتالي تحظى باهتمام شركات صناعة السيارات التي تحاول بالتعاون مع جهات الابحاث والتطوير والتصميم الى التوصل الى الواح ذات خلايا شمسية تكون مساحتها معقولة ولا تجعل شكل السيارة يبدو كمسخ ميكانيكي.
شركات توزيع الكهرباء ومهما يكن من امر فأن احد اهم عناصر معادلة الطاقة الشمسية ستظل شركات توليد وتوزيع الكهرباء بشبكاتها المتطورة التي يمكن استخدامها لنقل اية كهرباء مولدة من الطاقة الشمسية. هذه الشركات تجد نفسها في وضع صعب، ذلك لان طبيعة عملها ممركزة على عكس ما هو الحال بالنسبة للطاقة الشمسية التي ما زال عملها مجزءا وما زالت منشآتها مبعثرة وصغيرة. كما ان شركات توزيع الكهرباء تمتلك عنصرا هاما هو علاقاتها مع الزبائن.
مشكلة هذه الشركات تتلخص حاليا في انها تجد كلفة توليد الكهرباء من ضوء الشمس عالية، وترى ان التكنولوجيات المستعملة ما زالت بعيدة عن الكمال الاامر الذي يجعل بعضها يفضل البقاء خارج اللعبة الى ان تتحقق اختراقات علمية تقلص كلفة التوليد وتسحن تقنياته وترفع كقاءته.
الا ان مثل هذا الموقف له اخطاره التي ليس اقلها نشوؤ وتطور شركات صغيرة تدخذ منها بعض زبائنها من خلال تركيب الواح التقاط فوق منازلهم تغنيهم ـ ولو جزئيا ـ عن كهرباء شركات التوزيع وايضا عن بعض امدادات شركات الغاز.
مع ذلك فان عددا من بكريات الشركات بالدول المتطورة اخذت تقبل على الطاقة الشمسية وخاصة تلك المولدة من تركيز اشعة الشمس بشكل حرارة تستعمل لتسخين الماء. |